الثعلبي
323
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قوله عزّ وجلّ : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني يهود المدينة ، وقال ابن عباس : نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم ، كانا إذا تكلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لويا لسانيهما وعاباه ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ مختصر تقديره : ويشترون الضّلالة بالهدى وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا يا معشر المؤمنين ، وقرأ الحسن تُضِلّوا ، السَّبِيلَ أي عن السبيل . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ منكم ، فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم ، ويجوز أن يكون أَعْلَمُ بمعنى عليم [ كقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ « 1 » عَلَيْهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً . مِنَ الَّذِينَ هادُوا ، فإنّ شئت جعلتها متصلة بقوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ . . . مِنَ الَّذِينَ هادُوا ، وإن شئت جعلتها منقطعة عنها مستأنفة ، ويكون المعنى : من الذين هادوا من يحرّفون ، كقوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 2 » اي من له مقام معلوم ، وقال ذو الرمّة : فظلوا ومنهم دمعه سابق له * وآخر يذري دمعة العين بالمهل « 3 » يريد : ومنهم من دمعه . يُحَرِّفُونَ يغيّرون ، الْكَلِمَ وقال علي بن أبي طالب ( رضي اللّه عنه ) : « الكلام عن مواضعه ، يعني صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وآية الرجم » ، وقال ابن عباس : كان اليهود يأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويسألونه عن الأمر فيخبرهم ، ويرى أنّهم يأخذون بقوله ، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه . وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي غير مقبول منك ، وقيل : هو مثل قولهم : اسمع لا سمعت . وَراعِنا : وأرعنا ، وقد مضت القصة في سورة البقرة ، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً قدحا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا مكان راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ أصوب وأعدل ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ خاصة باليهود ، آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني القرآن ، مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ قال ابن عباس : كلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد اللّه بن صوريا وكعب بن أسد ، فقال لهم : « يا معشر اليهود اتقوا اللّه وأسلموا ، فو اللّه إنّكم تعلمون أنّ الذي جئتكم به لحقّ » « 4 » [ 343 ] ، فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد وأنكروا وأصرّوا على الكفر ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ .
--> ( 1 ) بياض في مصوّرة المخطوط ، وما أثبتناه من تفسير القرطبي : 5 / 242 . ( 2 ) سورة الصافات : 164 . ( 3 ) تفسير الطبري : 5 / 164 . ( 4 ) صحيح البخاري : 4 / 260 بتفاوت .